محمد أبو زهرة
23
المعجزة الكبرى القرآن
جمع القرآن الكريم بعد الرسول صلى اللّه عليه وسلم 10 - انتقل النبي صلى اللّه عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى ، وقد حفظ عدد كبير من الصحابة يبلغ حد التواتر القرآن كله كاملا غير منقوص لم يتركوا منه كلمة إلا حفظوها ، وعلموا أين نزلت ، ومتى نزلت ، وعلموا معناها من صاحب الرسالة صلى اللّه عليه وسلم ، حتى أنه ليروى عن عثمان بن عفان أنه كان يقول : كنا إذا حفظنا عشر آيات من القرآن سألنا الرسول صلى اللّه عليه وسلم عن معناها فيبينها لنا . ترك الرسول صلى اللّه عليه وسلم لصحابته القرآن ، وهو أعظم ثروة إنسانية مثرية في هذا الوجود ، وقد أدركوا حق الأمانة وأنهم حاملوها إلى الأخلاف من بعدهم كاملة كما تسلموها ، فكان حرصهم عليها أشد من حرصهم على أنفسهم ، لأنهم فانون وهي الباقية ، وهي تراث النبوة ، وسجل الرسالات الإلهية ، لذلك كانوا يحافظون عليها وعلى الذين حملوها في صدورهم . ولقد هال عمر بن الخطاب أنه قد استحر القتال بين المؤمنين الأولين - وكثير منهم من حفظة القرآن الكريم - . وبين أهل الردة في موقعة اليمامة ، وقتل منهم فيما قيل سبعمائة كما جاء في الجامع الكبير للقرطبي ، فأشار عمر بن الخطاب رضى اللّه تعالى عنه على أبى بكر بجمع القرآن مخافة أن يموت أشياخ القراء كأبى وابن مسعود وزيد ، فندبا زيد بن ثابت إلى ذلك فجمعه بعد تعب شديدة . روى البخاري عن زيد بن ثابت قال : « أرسل إلىّ أبو بكر بعد مقتل أهل اليمامة ، وعنده عمر ، فقال أبو بكر : إن عمر أتاني فقال : إن القتل قد استحر يوم القيامة بالناس ، وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء في المواطن كلها ، فيذهب كثير من القرآن إلا أن تجمعوه ، وإني لأرى أن يجمع القرآن ، قال أبو بكر فقلت لعمر : كيف أفعل شيئا لم يفعله رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ؟ فقال : هو واللّه خير ، فلم يزل يراجعني حتى شرح اللّه لذلك صدري ، ورأيت الذي رأى عمر ، قال زيد : وعنده عمر جالس لا يتكلم ، فقال لي أبو بكر : إنك رجل شاب عاقل ولا نتهمك ، كنت تكتب الوحي لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فتتبع القرآن فاجمعه . فو اللّه لو كلفني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل علىّ مما أمرني به من جمع القرآن ، قلت : كيف تفعلان شيئا لم يفعله رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ! ! فقال أبو بكر : هو واللّه خير ، فلم أزل أراجعه ، حتى شرح اللّه صدري للذي شرح له صدر أبى بكر وعمر » . اختار أبو بكر كما ترى في رواية البخاري ورواية غيره من أصحاب الصحاح زيدا ليقوم مع من يستعين به من حفظة القرآن ، وكان اختياره لزيد لأسباب جمة : أولها : ما اشتهر به بين الصحابة من العلم والفقه .